علي بن عبد الكافي السبكي
620
فتاوى السبكي
على خلاف قوله تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا أقول عطف الوجود على الخلق لا معنى له لأنهما بمعنى واحد إلا أن تقول إن الخلق فعل والوجود انفعال والثاني بعد الأول في الذهن وإن كان معه في الخارج فهذا المعنى وإن كان صحيحا لا يعتمد في مثل هذا وقوله إنهم سابقون على الإنس إن استند في هذا إلى قوله تعالى إلا إبليس كان من الجن فالناس قد اختلفوا في تفسير ذلك فقال بعضهم إن الجن اسم لكل من استتر عن العيون من أولي العلم وينقسم إلى مؤمنين يسمون ملائكة وإلى كفار يسمون شياطين حكاه الحليمي وقد أشرنا إليه فيما سبق وقال بعضهم الملائكة جنس من غير جنس الجن وهذا هو المشهور الذي يشهد له الكتاب والسنة وعلى هذا قل إن إبليس أبو الجن كآدم أبي البشر فعلى الأول مؤمنو الجن هم الملائكة وهم مكلفون وتكليفهم إما بسماع كلام الله تعالى وإما بخلق علم ضروري بما يؤمرون به وينهون عنه وإما بأن يرسل بعضهم إلى بعض وكفار الجن هم الشياطين ولعل أولهم إبليس وهو مكلف بسماع كلام الله تعالى ومن بعده لا يلزم فيه ما قاله السائل يجوز وصول رسل الإنس إليه وعلى القول الثاني يكون الجن موجودين قبل آدم عليه السلام ولم ينقل لنا كيف كان تكليفهم هل هو بسماع كلام الله تعالى أو بعلم ضروري واستدلالي والكلام إنما هو فيما بعد ذلك ففرض هذه الحالة من التكليف الذي لا حاجة إلى الكلام فيه وتوقيف التكليف على الرسول إنما هو في هذه الأمم التي فيها الرسل وإلا فالملائكة الذين هم رسل كجبريل مكلفون ونقل إمام الحرمين عن المعتزلة إنكار وجود الجن وهو عجب كيف ينكر من يصدق بالقرآن وجود الجن وإنما ذكرنا هذا ليعلم السائل أن هذه الأمور التي يأخذها مسلمة من نفسه لا يسلمها إليه غيره وقوله تعالى وما كنا معذبين الآية سياق الكلام الذي قبله يدل على أنه في الإنس فإنه قال وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه الآية إلى قوله رسولا ولا خلاف أن إبليس مكلف معذب لمخالفته أمر الله تعالى قبل أن يأتيه رسول لا إنسي ولا